محمد متولي الشعراوي
2826
تفسير الشعراوى
إذن فالمسألة تمر بمراحل تصفية ، الأعلى يعطى للملائكة ، والملائكة يعطون للمصطفى من الخلق ، والمصطفى مصنوع على عين اللّه ليتلقى الوحي ، ومن بعد ذلك يعطى الرسول لغيره من البشر . وكل ذلك لتقريب مسافات الالتقاء . وعلى رغم تقريب مسافات الالتقاء تحصل الهزة من آخر مرحلة حين يستقبل من أدنى مرحلة ، فحين يستقبل الرسول الوحي من ملك تحدث له هزّة . والرسول صلّى اللّه عليه وسلم يقول عن أول لقاء له مع الوحي : ( حتى جاءه الحق وهو في غار حراء فجاءه الملك فقال : اقرأ . قال : ما أنا بقارئ قال : فأخذني فغطني حتى بلغ منى الجهد ثم أرسلني . فقال : اقرأ فقلت : ما أنا بقارئ فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ منى الجهد ثم أرسلني . فقال : اقرأ فقلت : ما أنا بقارئ فأخذني فغطني الثالثة ثم أرسلني . فقال : اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ . خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ) « 1 » . وكان جبينه يتفصد عرقا ، ورجف فؤاده ودخل على زوجه خديجة بنت خويلد فقال : « زملوني زملوني » فزملوه حتى ذهب عنه الرّوع . وكان ذلك أمرا طبيعيا ؛ فهذا الملك جبريل متصل ببشر هو محمد بن عبد اللّه ولا بد أن يحدث ذلك للرسول ، وذلك حتى يتكيف ليستقبل من الملك . لكن أتظل هذه الرجفة المتعبة ؟ . لا ، إن الوحي يفتر لفترة وتذهب عنه متاعبه فيشتاق الرسول إليه ويصير قادرا على تحمل متاعبه ، مثل تفصد الجبين بالعرق ، ومثل الثقل في الحركة حتى إذا جاءه الوحي وهو على دابة فهي تئط وتئن ، وإن جاءه الوحي وهو جالس وفخذه على فخذ واحد من الصحابة ، فيكاد ثقل الرسول يرض عظام الرجل ويكسرها ، كل ذلك من المتاعب تحدث للرسول في أثناء الوحي ؛ لأن تغييرا كيماويا يحدث في بدنه صلّى اللّه عليه وسلّم ليتأكد أن الكلام الذي يتلقاه ليس كلاما عاديا ، لكنه كلام قد جاء بإعجاز ، وأنه من عند اللّه .
--> ( 1 ) رواه البخاري من حديث عائشة أم المؤمنين . ( راجع أصله وخرج أحاديثه الدكتور أحمد عمر هاشم نائب رئيس جامعة الأزهر . )